الشيخ حسن محمد فياض حسين العاملي

59

شرح الحلقة الثالثة

لا غير ، فيقع التعارض بين الإطلاق الثابت بقرينة الحكمة وبين التقييد الثابت باحترازيّة القيود ؛ إذ لا يمكن أن يكون الحكم الواحد في نفس الوقت مطلقا ومقيّدا . وحينئذ فإن كان الخطابان متّصلين لم ينعقد للأوّل ظهور في الإطلاق ؛ لأنّه فرع عدم ذكر ما يدلّ على القيد في الكلام ، والخطاب الآخر المتّصل يدلّ على القيد ، فلا تجري قرينة الحكمة لإثبات الإطلاق . وإن كان الخطابان منفصلين انعقد الظهور في كلّ منهما - لما تقدّم في بحث الإطلاق « 1 » من أنّ الإطلاق ينعقد بمجرّد عدم مجيء القرينة على القيد في شخص الكلام - وقدّم الظهور الثاني ؛ لأنّه قرينة ، بدليل إعدامه لظهور المطلق في فرض الاتصال . وقد تقدّم أنّ البناء العرفي على أنّ كلّ ما يهدم أصل الظهور في الكلام عند اتّصاله به فهو قرينة عليه في فرض الانفصال ويقدّم بملاك القرينيّة . ثمّ إنّه في حالة العلم بكون الحكم واحدا بحيث يقع التعارض بين الدليلين تارة يكونان متّصلين وأخرى منفصلين . فإن كانا متّصلين كما إذا قيل : ( أعتق رقبة وأعتق رقبة مؤمنة ) ، فهنا يكون دليل التقييد المتّصل هادما لأصل ظهور الدليل الأوّل في الإطلاق ، بمعنى أنّه يمنع من أصل انعقاد الإطلاق في الدليل الأوّل ؛ لأنّه يمنع من جريان قرينة الحكمة الدالّة على الإطلاق فيه . والوجه في ذلك : هو أنّ قرينة الحكمة مفادها ( ألّا يذكر القيد في الكلام ) ، فإنّه إذا لم يذكر القيد في كلامه فلو كان يريده مع ذلك لكان مخلّا في مقام البيان والتفهيم لمراده الجدّي ، فيكون قد أراد ما لم يبيّن وهذا قبيح . وأمّا إذا ذكر القيد فلا يكون إرادته للقيد فيها إخلال بالبيان ؛ لأنّه قد أراد التقييد وذكر القيد الدالّ عليه ، وهذا معناه عدم جريان قرينة الحكمة لاختلال أحد ركنيها كما تقدّم في بحث الإطلاق والتقييد ، فيرتفع موضوع قرينة الحكمة وبالتالي لا ينعقد إلا ظهور واحد للكلام وهو الظهور في التقييد ابتداء .

--> ( 1 ) في الجزء الأوّل من الحلقة الثالثة ، في ذيل البحث الوارد تحت عنوان : احترازية القيود وقرينة الحكمة .